الدكتور عبدالمحسن برادة
الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة: رائد التخطيط العمراني والإسكان في مصر
يُعدّ الأستاذ الدكتور عبدالمحسن عبد المنعم برادة أحد أبرز رواد التخطيط العمراني في مصر والإسكان، والعميد الأسبق لكلية التخطيط الإقليمي والعمراني بجامعة القاهرة. امتدت مساهماته من تصميم المبنى الواحد إلى تخطيط المدن الجديدة، وصولاً إلى إعادة هيكلة الأقاليم العمرانية الكاملة. تهدف هذه الدراسة الأكاديمية إلى تحليل المسيرة المهنية والعلمية للأستاذ عبدالمحسن برادة، بوصفه العقل الذي شارك في رسم ملامح مدن مصرية كاملة، والتفكير في مستقبل أجيال من سكان الحضر، مع استعراض إسهاماته في التخطيط العمراني في مصر عبر أكثر من أربعة عقود من العطاء.
1. النشأة والتكوين الأكاديمي للأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة
1.1 الدراسة في جامعة القاهرة
بدأ الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة رحلته الأكاديمية بدراسة العمارة بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، وحصل على بكالوريوس العمارة في الهندسة المعمارية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى في سنة 1960م. وقد شكّلت هذه المرحلة التأسيسية القاعدة المعرفية التي اعتمد عليها لاحقاً في ممارسته المهنية والأكاديمية.
1.2 الدكتوراه من جامعة إدنبرة
استكمل عبدالمحسن برادة مسيرته العلمية في بريطانيا، حيث حصل على ماجستير العمارة من ليفربول سنة 1963م، ثم حصل على درجة الدكتوراه في الإسكان والتخطيط من جامعة إدنبرة عام 1967. وقد مثّل هذا الإنجاز الأكاديمي نقطة تحول في مسيرته، حيث عاد إلى مصر مزوداً بأحدث النظريات العالمية في التخطيط العمراني والإسكان.
1.3 العودة إلى مصر والجمع بين التدريس والممارسة
وبعد عودته، تم تكليفه بالجمع بين التدريس والبحث العلمي والعمل المهني، مما أتاح له نقل الخبرات العالمية إلى الأجيال الجديدة. ونتيجة لذلك، تولى عمادة كلية التخطيط الإقليمي والعمراني بجامعة القاهرة خلال الفترة من 1994 إلى 2001، حيث تم تطوير المناهج الأكاديمية في عهد قيادته. وكان من أوائل من أدخلوا الإسكان كمادة منفصلة في كلية الهندسة في أواخر الستينيات، من الجوانب المعمارية والتخطيطية وكذلك الاقتصادية والاجتماعية، وأدخل من خلالها العديد من الأفكار المستجدة والأساليب العلمية.
2. من العمارة إلى المباني الجامعية في مسيرة عبدالمحسن برادة
2.1 مبنى مدرجات كلية الطب بجامعة القاهرة
لم يقتصر دور الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة على التخطيط العمراني فحسب، بل مارس التصميم المعماري على مستوى المبنى أيضاً. ومن أبرز أعماله، مبنى مدرجات كلية الطب بجامعة القاهرة، وهو مشروع تعليمي ضخم راعت فيه متطلبات الحركة الداخلية، والإضاءة الطبيعية، والوظائف التعليمية المتخصصة.
2.2 مبنى كلية الإعلام بجامعة القاهرة
كما ارتبط اسمه بمبنى كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أحد المشروعات الجامعية الهامة التي تم تنفيذها بمعرفة شركة المقاولون العرب. ويُبرز هذا المشروع قدرة عبدالمحسن برادة على التعامل مع المباني ذات الوظائف المتخصصة.
3. تخطيط المدن الجديدة وإعادة الهيكلة في مسيرة عبدالمحسن برادة
3.1 مشروع المدينة السكنية للعاملين بأبو زعبل (1968)
على المحور العملي في مجال الإسكان، فاز الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة بالجائزة الأولى في عدد من مسابقات الإسكان والتخطيط، بالاشتراك مع نخبة من الزملاء. وكانت أولى هذه المسابقات “مشروع المدينة السكنية للعاملين بشركة النصر للكيماويات الدوائية” في أبو زعبل بالقاهرة عام 1968، والذي تم إنجازه بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور محمود يسرى والأستاذ الدكتور أحمد منير. وفي هذا المشروع، تم وضع منهج محدد وعلمي لتصميم المناطق السكنية، حيث تم استعمال المقارنات العلمية بين أنواع النماذج المختلفة وأنواع التجميعات السكنية المتنوعة.
وقد تم توثيق نتائج هذه المسابقة في كتاب “تصميم التجمعات السكنية الصناعية“، والذي تم نشره في بيروت عام 1970، ليصبح مرجعاً أساسياً في هذا المجال.
3.2 الجائزة الأولى ومشروع مدينة نجع حمادي (1972)
وفي سنة 1972، فاز الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور محمود يسرى والأستاذ الدكتور سيد مدبولي بالجائزة الأولى لمشروع “تخطيط وتصميم المدينة السكنية للعاملين بمجمع الألومنيوم” في نجع حمادي. وقد تم تنفيذ هذا المشروع على أرض الواقع، ليصبح مدينة متكاملة بصحراء نجع حمادي، يقطنها حالياً حوالي 35,000 نسمة. ويُعتبر هذا المشروع رائداً لمشاريع المدن الجديدة في مصر، وعلامة مميزة بمعالمه المعمارية والتخطيطية المتمشية مع المناخ الإقليمي والتراث المحلي. وبالتالي، مثّلت هذه المحطة بداية رحلة عبدالمحسن برادة الطويلة في تخطيط المدن المصرية.
3.3 إعادة هيكلة المدن القائمة وتأسيس مجتمعات عمرانية جديدة:
وعقب حرب أكتوبر 1973، تم تكليف الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة بالإشراف على دراسات الإسكان والتخطيط للعديد من المدن والمناطق الجديدة. وفي هذا السياق، تم بلورة وتطبيق العديد من الأسس والأساليب المستجدة التي أرساها سيادته. وامتداداً لهذه الجهود، شملت بصمة عبدالمحسن برادة التخطيطية طيفاً واسعاً من المشروعات على مستوى الجمهورية، ومن أبرزها:
أولاً: إعادة هيكلة المدن القائمة:
- مدينة السويس (1976): في أعقاب حرب أكتوبر المجيدة، تم تكليف سيادته بإعادة تخطيط مدينة السويس، حيث تم التركيز على معالجة الآثار العمرانية للحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير حلول إسكانية عاجلة ومنظمة.
- مدينتا سوهاج وأخميم (1986): امتدت جهود إعادة الهيكلة العمرانية إلى قلب الصعيد، حيث تم وضع أطر تخطيطية شاملة، وتم من خلاله تنظيم التوسع العمراني ودمج الامتدادات الجديدة مع النسيج العمراني القائم.
- مدينة كفر الدوار (1987): باعتبارها واحدة من أبرز المدن الصناعية في الدلتا، تم توجيه الجهود نحو تنظيم النسيج العمراني للمدينة، ومعالجة التداخلات بين المناطق السكنية والمنشآت الصناعية.
- مدينة دمنهور (1990): بصفتها عاصمة محافظة البحيرة، خضعت المدينة لعملية إعادة تخطيط شاملة، حيث تم استحداث محاور تنموية جديدة، ووضع ضوابط صارمة للبناء للحد من الزحف العمراني على الأراضي الزراعية.
- مدينة مرسى مطروح (1993): في إطار التخطيط للمدن الساحلية، تم إعداد مخطط شامل للمدينة، مع التركيز على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية السياحية والسكنية، والحفاظ على الخصوصية البيئية للشريط الساحلي.
ثانياً: تأسيس مدن جديدة بالكامل:
- أعمال التخطيط بالساحل الشمالي الغربي (1978): تُعد من المحطات التأسيسية المبكرة، حيث تم وضع الرؤية الاستراتيجية الأولية لتحويل المنطقة من طابع عسكري وزراعي محدود، إلى إقليم تنموي وسياحي متكامل، مع حماية النظم البيئية الساحلية الهشة.
- مدينة العامرية الجديدة (1979): تميزت بمنهجية تخطيطية رائدة في تصنيف فئات السكان. فقد تم تجاوز التقسيم التقليدي، ولم يُكتفَ بالدخل كمعيار وحيد، بل رُوعيت أيضاً طبيعة الدخل ومهنة رب الأسرة. وبناءً على ذلك، تم تشكيل فئات سكانية متجانسة، مما جعل هذه الدراسة الأساس المرجعي لكافة دراسات الإسكان اللاحقة.
- مدينة الأمل الجديدة (1980): صُممت لتكون مركزاً عمرانياً جديداً في نطاق إقليم قناة السويس، حيث تم تخطيطها بعناية لاستيعاب الزيادة السكانية ودمج المناطق السكنية بالمناطق الصناعية.
- مدينة بدر الجديدة (1983-1986): تُعد من أبرز مشروعات التوسع العمراني شرق القاهرة، حيث تم وضع المخطط الاستراتيجي لها لربط العاصمة بشبكة الطرق الإقليمية، مع تخصيص مساحات واسعة للأنشطة الصناعية والتجارية.
- مدينة توشكى الجديدة (جنوب مصر): انبثقت ضمن الرؤية الاستراتيجية الكبرى لمشروع “الوادي الجديد”، حيث تم تخطيطها لتكون نواة عمرانية وزراعية في أعماق الصحراء الجنوبية، بهدف تحقيق التوازن الديموغرافي.
4. المشروعات العمرانية الكبرى بمشاركة عبدالمحسن برادة
4.1 مدينة مينا جاردن سيتي – السادس من أكتوبر
شارك الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة مع الأستاذ الدكتور فاروق الجوهري في التصميم العمراني لمشروع “مينا جاردن سيتي” خلال التسعينيات. ويُعدّ هذا المشروع من التجارب الرائدة والمتميزة في تخطيط المجتمعات السكنية الفاخرة والمتكاملة في مصر، والذي تم تخصيص دراسة مستقلة ومفصلة له نظراً لأهميته التخطيطية والمعمارية الفريدة.
4.2 تخطيط المجتمعات العمرانية الجديدة الكبرى: هليوبوليس، هليوبارك، ومدينتي
امتدت بصمة الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة لتشمل بعضاً من أضخم مشروعات المجتمعات العمرانية الجديدة في مصر، لا سيما في نطاق التوسع شرق القاهرة، ومن أبرز هذه المشروعات:
- مدينة هليوبوليس الجديدة (1997): في عام 1997، تمت مشاركته الفعالة في دراسات تخطيط وتنمية المدينة، ضمن الجهود الوطنية الرامية إلى إنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة ومستدامة شرق القاهرة.
- مدينة مدينتي: وعلاوة على ذلك، تم تكليفه بالانضمام إلى فريق التخطيط لهذا المشروع العملاق، والذي ضم أيضاً كوكبة من كبار المخططين مثل الأستاذ الدكتور محمود يسري والأستاذ الدكتور أحمد يسري، حيث تم وضع اللبنات التخطيطية الأساسية لأحد أكبر التجمعات السكنية الحديثة في مصر.
- مشروع هليوبارك (2008): كما ارتبط اسمه بأعمال التخطيط العام للمشروع، حيث تم التركيز على التوزيع الأمثل للأنشطة السكنية والترفيهية، وتصميم هيكل الحركة المرورية، وتكامل المناطق الخضراء الواسعة مع المرافق الخدمية.
- مشروعات تخطيطية متنوعة: ولم تقتصر إسهاماته على شرق القاهرة فحسب، بل امتدت خبرته التخطيطية لتشمل دراسات لمشاريع متنوعة، من بينها تخطيط منطقة “جاردن سيتي” بمدينة السادس من أكتوبر، وتجمع “أبو الهول” السكني، ومشروع مدينة “ميلونيا” جنوب العياط.
5. التخطيط الإقليمي والاستراتيجي في فكر عبدالمحسن برادة
5.1 تجاوز حدود المدينة إلى الإقليم
امتدت خبرة الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة إلى التخطيط الإقليمي والاستراتيجي على نطاقات عمرانية واسعة. ومن أبرز مشاركاته: تخطيط الشريط الساحلي بين دمياط ورشيد، دراسات التنمية العمرانية لإقليم شمال الصعيد، إعادة الهيكلة العمرانية لقطاع شرق القاهرة، وأعمال مرتبطة بالسياسة القومية للتخطيط العمراني للفترة 2020–2050.
5.2 جائزة سيدي عبدالرحمن الدولية والعمل الاستشاري
في عام 1999، فاز عبدالمحسن برادة بالجائزة الأولى في مسابقة دولية للتنمية السياحية لنحو 500 فدان بمنطقة سيدي عبدالرحمن بالساحل الشمالي، مما يعكس قدرته على المنافسة على المستوى الدولي. كما امتدت خبرته إلى العمل الاستشاري في مشروعات ذات طبيعة خاصة، من بينها برنامج تطوير وإنشاء مقار السفارات المصرية بالخارج خلال فترة عمله مستشاراً لوزارة الخارجية.
6. الفكر العمراني والإسهامات الأكاديمية للأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة
6.1 التمييز بين دور المعماري والمخطط العمراني
لم يكن الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة ينظر إلى العمران مجرداً من سياقه، بل كان يفرق بوضوح بين دور المعماري الذي يركز على تصميم المبنى الواحد وجمالياته، ودور المخطط العمراني الذي يتعامل مع المدينة ككل. فالأخير يتولى توزيع الأنشطة، وشبكات الحركة، والمناطق السكنية والخدمية، والبنية التحتية. وبالتالي، فإن الأثر الذي يتركه المخطط العمراني يمتد في حياة مدينة كاملة لأجيال، وهو ما جسّدته مسيرته المهنية بامتياز.
6.2 قضية التوسع العمراني والسؤال الجوهري
تجلى عمق رؤيته العمرانية في عام 2017، حين أثار قضية جوهرية تتعلق بالتوسع العمراني في القاهرة الكبرى. فقد أشار إلى أن المساحات المخصصة للتنمية كانت تزداد بمعدلات تقارب ضعف النمو السكاني، في الوقت الذي كانت فيه نسب كبيرة من الوحدات السكنية مغلقة وغير مستغلة. وبناءً على ذلك، طرح تساؤلاً نقدياً مهماً: هل بناء آلاف الوحدات يعني بالضرورة حل أزمة السكن؟ مؤكداً أن المدينة الناجحة ليست هي التي تحتوي على أكبر عدد من المباني، بل هي التي توفر حياة أفضل ومستدامة لسكانها.
6.3 الإنتاج العلمي والجوائز والتكريمات
امتدت المسيرة الأكاديمية للأستاذ عبدالمحسن برادة لعقود من العطاء، حيث تم نشر أكثر من 40 بحثاً علمياً وكتاباً متخصصاً، إلى جانب الإشراف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه. وتُوجت هذه المسيرة المهنية الحافلة بالحصول على عدد من الجوائز والتكريمات المرموقة، من أبرزها:
- جائزة المشروع المعماري من نقابة المهندسين عام 1994.
- جائزة جامعة القاهرة التقديرية في العلوم البيئية عام 2001.
خاتمة
يُمثّل الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة قامة فريدة في تاريخ التخطيط العمراني في مصر، حيث تجاوزت بصمته الأوراق الأكاديمية لترسم ملامح الواقع المعيشي. فلم تكن مسيرته مجرد تراكم للمشاريع، بل فلسفة متكاملة تؤكد أن المدينة نسيج اجتماعي وبيئي يخدم الإنسان ويصون كرامته.
ومن خلال رحلته الممتدة من تخطيط المدن الجديدة إلى إعادة هيكلة الأقاليم، تم ترسيخ مبدأ أن التخطيط الفعّال يتطلب فهماً عميقاً للاحتياجات المحلية. وبناءً على ذلك، لا تقتصر أهمية دراسة مسيرة عبدالمحسن برادة على الاستذكار التاريخي، بل تُعدّ خارطة طريق للأجيال القادمة من المخططين، تذكّرهم دائماً بأن غاية العمران الحقيقية ليست مجرد إنتاج مساحات، بل “صناعة حياة كريمة” مستدامة.
🔗 روابط المتابعة: بذلك وصلنا لنهاية المقال عن: الأستاذ الدكتور عبدالمحسن برادة وللمزيد من المحتوى المعماري، تابعنا على:
- 📘 الفيسبوك: رابط الصفحة
- 📺 اليوتيوب: قناة أشرف رشاد
- 🎵 تيك توك: @ashraf.r1
- 📷 إنستجرام: @ashraf.rashad.58



