عثمان أحمد عثمان

تجربة عثمان أحمد عثمان ودور شركة المقاولون العرب في الاقتصاد السياسي المصري (1940-1980)

تمثل دراسة تاريخ الاقتصاد السياسي المصري في القرن العشرين مرآة عاكسة للتحولات الهيكلية العميقة التي شهدتها الدولة المصرية، بدءاً من العهد الملكي، مروراً بالاشتراكية الناصرية والتأميمات الواسعة، وصولاً إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس أنور السادات. وفي قلب هذه التحولات الجذرية، يبرز اسم المهندس عثمان أحمد عثمان (1917-1999) ليس فقط كواحد من رواد قطاع التشييد والبناء في المنطقة العربية، بل كنموذج فريد للمقاول والمستثمر الوطني الذي تقاطعت مسيرته المهنية بشكل عضوي مع التوجهات الاستراتيجية للدولة المصرية.

تهدف هذه الدراسة الأكاديمية إلى تحليل تجربة عثمان أحمد عثمان عبر تفكيك العلاقة التفاعلية المعقدة بين رأس المال الوطني والسلطة السياسية، ودور شركة المقاولون العرب في تنفيذ المشاريع القومية العملاقة محلياً وإقليمياً. وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تقدم حالة دراسية نموذجية لكيفية تكيف الرأسمالية الوطنية مع الأنظمة الاقتصادية المتباينة، من السوق الحرة إلى التخطيط المركزي، ثم العودة إلى اقتصاد السوق المنفتح.

إشكالية الدراسة:

تتمحور الإشكالية الرئيسية حول فهم الآليات التي مكّنت عثمان أحمد عثمان من الحفاظ على دوره القيادي وتوسيع نفوذه الاقتصادي رغم التقلبات الأيديولوجية الحادة، وكيف استطاع تحويل شركة مقاولات صغيرة إلى إمبراطورية هندسية إقليمية.

منهجية البحث:

تعتمد الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي، مع الاستعانة بالمقابلات الشفهية، والوثائق الأرشيفية، ومذكرات عثمان أحمد عثمان الشخصية (“صفحات من تجربتي”)، بالإضافة إلى الدراسات الأكاديمية السابقة في مجال الاقتصاد السياسي وتاريخ الأعمال.

المحور الأول: نشأة عثمان أحمد عثمان وبدايةرحلة الكفاح (1917-1952)

1.1 البيئة الأسرية والاجتماعية

وُلد عثمان أحمد عثمان في مدينة الإسماعيلية في 6 أبريل عام 1917، لأسرة بسيطة الحال. كان والده يعمل بقّالاً ويمتلك بقالة لبيع المواد التموينية بالجملة، وكان عثمان الابن الأصغر في العائلة. جاءت المأساة مبكرة في حياة الطفل عثمان، حيث تُوفي والده وعمره 4 سنوات فقط، تاركاً الأسرة في ظروف مادية صعبة للغاية.

لم يقف عثمان عاجزاً أمام تلك المأساة، بل واجهها بإرادة فولاذية. تعلم وتفوق في دراسته الابتدائية، وأصر على إكمال المرحلة الإعدادية، ثم أخذ الحماس بيده إلى المرحلة الثانوية، متجاوزاً كل العقبات حتى وصل إلى التعليم العالي. نبغ عثمان في دراسته وحصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة القاهرة.

1.2 رحلة الكفاح التعليمي

يستحق التوقف عند سؤال جوهري: كيف استطاع عثمان أن يكمل تعليمه في ظل تلك الظروف الصعبة لعائلته؟

الإجابة تكمن في مزيج نادر من العزيمة، الذكاء، والاستغلال الأمثل للفرص:

1.3 التأسيس: من مكتب صغير إلى شركة عملاقة

أنشأ عثمان أحمد عثمان مكتباً صغيراً للمقاولات، وكان هو العامل الأول فيه. لم يترأس العمال من فوق، بل كان يساعدهم بيده ويعمل جنباً إلى جنب معهم، حتى لُقب بـ**”المعلم عثمان”**، وكان هذا اللقب المفضل لديه، حيث يعكس التقدير والاحترام المتبادل بينه وبين عماله.

بفضل العزيمة والإصرار، تحول المكتب الصغير إلى شركة المقاولون العرب، في رحلة نمو مذهلة:

1.4 تخرج المهندس عثمان أحمد عثمان والبدايات المهنية:

تخرج عثمان في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1940. عكست بداياته المهنية طبيعة السوق المصرية في الأربعينيات، حيث كان قطاع المقاولات الكبرى حكراً على الشركات الأجنبية أو الرأسمالية التقليدية المرتبطة بالاستعمار.

أسس عثمان مكتبه الهندسي الصغير برأس مال محدود، متخذاً من النهج العصامي والاعتماد على الكوادر المحلية استراتيجية للنمو. تمكنت شركته الناشئة من التمدد التدريجي بفضل الفهم العميق لمتطلبات البنية التحتية، وهو ما مهد الطريق لتحولها إلى شركة “المقاولون العرب” (عثمان أحمد عثمان وشركاه)، والتي أصبحت ذراعاً تنموية هاماً في العقود التالية.

المحور الثاني: نقطة التحول السعودية والتوسع الإقليمي (1950-1960)

2.1 رحلة المهندس عثمان أحمد عثمان إلى السعودية: بداية الطريق الحقيقي

كانت البداية الحقيقية ونقطة التحول الكبيرة في بداية الخمسينيات من القرن العشرين في السعودية. لم يكن عثمان يمتلك أي مال وقتها، لكن طموحه وثقته في قدراته كانتا رأس ماله الحقيقي.

القصة كما يرويها المقربون منه:

ذهب عثمان إلى جدة لمقابلة الأمير مشعل الذي كان وزيراً للدفاع في ذلك الوقت. بدأ المشوار بمشروع مبنى الكلية الحربية، وساعتها اكتشف الأمير الفرق الكبير في السعر بين شغل عثمان والمقاولين الآخرين من الإنجليز، فتعاقد معه. كان هذا التعاقد هو أول طريق الخير بالنسبة لعثمان.

2.2 حادثة البنك: لحظة فارقة

عند ذهابه لاستلام الدفعة المقدمة، واجه عثمان مأزقاً طريفاً يكشف عن حجم التحديات التي كان يواجهها:

هذه كانت بداية حياته الحقيقية كرجل أعمال كبير.

2.3 كيف قابل المهندس عثمان أحمد عثمان الأمير؟ السر في الشخصية

يتساءل الكثيرون: كيف استطاع صاحب شركة مقاولات صغيرة مقابلة أمير في ذلك الوقت؟

الإجابة تكمن في شخصية عثمان الفريدة:

2.4 النجاح يتوسع في المنطقة العربية

حققت الشركة في ذلك الوقت نجاحاً كبيراً في المنطقة العربية كلها، وبدأ عثمان في بناء شبكة علاقات ومشاريع امتدت عبر الحدود المصرية.

المحور الثالث: شركة المقاولون العرب والتحول نحو الاشتراكية (المواجهة والاحتواء) (1961-1970)

3.1 ثورة يوليو والتأميم: بين التحدي والتكيف

مع قيام ثورة يوليو 1952 وتوجه الدولة المصرية نحو التخطيط المركزي والاشتراكية في الستينيات، واجهت الشركات الخاصة موجات واسعة من التأميم.

شكلت حالة عثمان أحمد عثمان استثناءً حياً في أدبيات الاقتصاد السياسي المصري. فبدلاً من تصفية نشاطه أو الخروج من السوق، نجح في التكيف مع القوانين الاشتراكية عبر صيغة فريدة من الاندماج والاحتواء.

3.2 مراحل التأميم: التسلسل الزمني

المرحلة الأولى – التأميم النصفي (1961):

المرحلة الثانية – التأميم الكلي (1964):

3.3 قرار استراتيجي: البقاء في مصر

أصر عثمان على إكمال عمل الشركة من مصر، رغم أن رأي أغلب المساهمين في الشركة وقتها كان فتح مكاتب بالخارج لإدارة أعمال الشركة في الدول العربية.

لكنه قرر بشكل واضح ألا يتخلى عن الـ5000 موظف بالشركة في مصر. كانت رؤيته واضحة: الشركة يجب أن تبقى مصرية، وجذورها في مصر.

فلسفته الإدارية: كان دائماً يقول: “خلى اللي يشتغل معاك يخاف عليك مش منك” – وهي مقولة تعكس فهمه العميق للعلاقة بين الإدارة والعمال، القائمة على الحب والاحترام المتبادل وليس الخوف والقمع.

3.4 السد العالي: الملحمة الكبرى

تُعد مشاركة المقاولون العرب في بناء السد العالي واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الشركة ومصر الحديثة، حيث:

تم ترسية مناقصة بناء السد على الشركة بقيادة عثمان أحمد عثمان

واجهت الشركة تحديات فنية وهندسية بالغة التعقيد. – ومن مذكرات عثمان أحمد عثمان عن تلك المرحلة: “لقد واجهت أكثر من خصم وخضت أكثر من معركة على أكثر من جبهة في وقت واحد، فوقف جميع مقاولي مصر ضدي، ووقفت شركتي وحدها في مواجهتهم، وكسبت العطاء.”

وعن بناء السد قال: “كان السد العالي ملحمة طويلة وعريضة لطول وعرض وعمق الجبال والجرانيت التي هدمها المصريون وأقاموا السد العالي الذي قدر الخبراء أن حجم العمل الذي استوعبه يشابه الهرم الأكبر.”

الإنجاز: استطاع المعلم عثمان بخبرته وكفاءته ورجاله، رغم كل الصعاب التي وضعها الروس، أن يبني السد العالي في عشر سنوات.

3.5 التحديات السياسية: الخلاف المصري السعودي

عندما كان الخلاف على أشده بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك سعود في الستينيات بسبب حرب اليمن، واجه عثمان تحدياً سياسياً واقتصادياً صعباً:

هذا الموقف يكشف عن وطنيّة عثمان وتمسكه بعماله المصريين، حتى لو كلفه ذلك خسارة مشاريع كبرى.

3.6 قاعدة الصواريخ: دور وطني في حرب الاستنزاف:

كان لشركة المقاولون العرب دور كبير وخطير في إنشاء قاعدة للصواريخ بعد نكسة 1967 وبداية حرب الاستنزاف:

في حرب أكتوبر 1973:

  • تم التصنيع في ورش المقاولون العرب
  • تم تصنيع المعدية التي حملت الطلمبات والمضخات
  • استُخدمت في فتح الثغرات في خط بارليف لعبوره

3.7 الفلسفة الإدارية: الإنسان أولاً

في رأي المقربين من عثمان، أن الأساس في نجاحه أنه استطاع التعامل بذكاء وحب مع كل العاملين معه، حتى يخرجوا أكبر كم من طاقاتهم في العمل.

كان همه الأول الناس في كل شيء:

السخاء: كان عثمان سخياً بطريقة لا توصف:

المحور الرابع: عصر الانفتاح الاقتصادي والتحالف الاستراتيجي مع السلطة (1971-1980)

4.1 السادات والانفتاح: تحول جذري

شهدت السبعينيات من القرن العشرين تحولاً جذرياً في مسيرة عثمان أحمد عثمان مع صعود الرئيس محمد أنور السادات وتبنيه سياسة “الانفتاح الاقتصادي” (Infitah).

تحول عثمان من مجرد تكنوقراط يدير شركة عامة، إلى فاعل سياسي واقتصادي محوري في مصر.

4.2 المناصب الرسمية الرفيعة

شغل عثمان خلال هذه الفترة مناصب رسمية عليا منها:

العمل الوزاري:

البرلمان والنقابة:

التقدير الدولي:

4.3 إعادة إعمار مدن القناة: الإنجاز الاستراتيجي

خلال هذه الحقبة، قاد عثمان استراتيجية إعادة إعمار مدن القناة (الإسماعيلية، بورسعيد، السويس) بعد حرب أكتوبر 1973.

شملت المشاريع:

مثلت هذه الفترة ذروة “الرأسمالية السياسية”، حيث تداخلت القرارات التنموية للدولة مع القدرات التنفيذية لشركة المقاولون العرب والشركات التابعة لها، مما أثار نقاشات واسعة في البيئة الأكاديمية والسياسية حول حدود التداخل بين السلطة والثروة.

4.4 القرب من السلطة: وسيلة لا غاية

يتساءل الكثيرون: هل تغير عثمان أحمد عثمان عندما أصبح قريباً من السلطة في عهد الرئيس السادات؟

الإجابة من المقربين منه: أطلاقاً. لأن:

4.5 موقف مبدئي: رفض المنافسة

أذكر أن أولاده بعد الانفتاح أشاروا عليه أن ينشئوا شركة مقاولات خاصة بهم، بدلاً من المقاولون العرب التي كانت مؤممة.

رفض عثمان بشدة، رغم أنه كان قريباً من السلطة وقتها، وقال: “ممنوع تنافسوا المقاولون العرب”

الحل الذكي:

هذا الموقف يكشف عن نزاهة عثمان وحرصه على المصلحة العامة، وعدم استغلال نفوذه لمصلحة شخصية.

4.6 رئاسة النادي الإسماعيلي

العمل الرياضي:

8 يناير 1966: تم تكريمه كـعضو شرفي بالنادي الأهلي تقديراً لخدماته

26 فبراير 1970: أصبح رئيساً شرفياً لنادي التحدي الليبي

المحور الخامس: البعد الإقليمي وتصدير الخبرات الهندسية المصرية

5.1 المقاولون العرب كأداة للقوة الناعمة

لم يقتصر الأثر التنموي لتجربة عثمان على النطاق المحلي، بل امتد ليمثل أداة من أدوات القوة الناعمة والاقتصادية لمصر في العالم العربي وأفريقيا.

5.2 المشاريع الإقليمية الكبرى

ساهمت المقاولون العرب في تشييد منشآت حيوية تشمل:

في دول مثل:

5.3 النموذج التنموي

يعتمد هذا البعد على:

المحور السادس: الفلسفة الإدارية ودروس النجاح

6.1 “طريقتى فى الإدارة.. لا تُكتب ولا تُقرأ.. بل تُمارس”

هكذا يقول المهندس الكبير عثمان أحمد عثمان في مذكراته “صفحات من تجربتى” (المعروف أيضاً باسم “التشييد بعد التدمير”).

تميز عثمان بطريقة منفردة ومتميزة في الإدارة، فأسس عملاق المقاولات في الوطن العربى. ولكن قبل الوصول إلى قمة مجده، كان وراءه مشوار طويل مليء بالتحديات شديدة الصعوبة.

تجربته تستحق الاقتراب من تفاصيلها أكثر لفهم “سر نجاحه” وطريقته في الوصول لما حققه من إنجازات.

6.2 من هو عثمان أحمد عثمان؟

لم يكن عثمان أحمد عثمان مجرد مقاول كبير أو رجل أعمال ناجح فقط:

6.3 دروس النجاح من تجربة عثمان

هناك المئات من تعريفات النجاح، لكن التعريف الأقرب إلى الواقع هو:

“إدراك الغاية مهما كانت العقبات”

وهذا معناه أن:

بل ذهب البعض إلى تعريف النجاح بأنه:

وبما أن النجاح عملية مستمرة باستمرار الحياة، فإن العقبات ستستمر. ومن هنا جاءت فكرة “باب انجح”:

6.4 روشتة النجاح من عثمان بيه

يقول المقربون منه بالنظر إلى ذلك المشوار الطويل والمليء بالمحطات المهمة والطويلة..فإن روشتة نجاح عثمان بيه؟ هي:

6.5 فلسفة العمل: “اشتغلوا وما تخافوش من الغلط”

رغم كل الصعوبات التي واجهها، كان عثمان دائماً يقول:

“اشتغلوا وما تخافوش من الغلط.. المهم عندى صفاء النية وأن تكون الغلطة غير مقصودة”

هذا كان سبباً في أن يشعر كل العاملين أنهم شركاء في الشركة، وليس مجرد موظفين.

الخاتمة والنتائج: دروس من تجربة فريدة

النتائج الرئيسية للدراسة:

تستنتج هذه الدراسة أن تجربة عثمان أحمد عثمان تمثل حالة دراسية فريدة لمرونة الرأسمالية الوطنية في مواجهة التقلبات الأيديولوجية الحادة للدولة.

أولاً: معادلة النجاح نجح عثمان في صياغة معادلة استمرت لعقود، تقوم على:

ثانياً: الإرث المؤسسي يظل الإرث المؤسسي المتمثل في شركة “المقاولون العرب” شاهداً على:

ثالثاً: الدروس المستفادة تجعل قراءة هذه التجربة ضرورة لفهم ديناميكيات التنمية والإدارة في العالم العربي:

الوفاة والرحيل: تُوفي المهندس عثمان أحمد عثمان في 1 مايو 1999، عن عمر يناهز 82 عاماً، تاركاً إرثاً هندسياً وسياسياً واقتصادياً لا يُنسى.

🔗 روابط المتابعة: بذلك وصلنا لنهاية المقال عن: تخطيط مشروع التخرج في العمارة، تابع المقال التالي: منهجية البحث في العمارة، وللمزيد من المحتوى المعماري، تابعنا على:

📚 المراجع والمصادر (References) ▼
Exit mobile version